سهيلة عبد الباعث الترجمان

738

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

من حيث خلقيتك ، موجودا من حيث حقيقتك ، تتجلّى بالأسماء والصفات كما هي لذاتك بحكم الأصالة والملك لا بالتبعية ولا بالظن إلى حقيقة بل بنسبية الكمالات كلها إليك كنسبة الصفات إلى الذات ، ولم تزل تساير هذا المعنى حتى تفقده ، فلا تجد سواك ، وحينئذ ينكشف لك في باطنك عن مواقع نجوم الأزلي من سماء علة العلل بلا واسطة . . . " « 1 » . وهكذا ينتهي الجيلي في الحب الإلهي إلى ما انتهى إليه غيره من الصوفية أمثال ابن عربي وابن الفارض وهو الفناء الذي ينشده الصوفي في حال تحققه بالكمالات الإلهية جميعها وقطعه لمراحلها حتى يتحقق بالبقاء بعد الفناء ، وسرّ هذا كله هو الحب الذي بنى عليه ابن عربي مذهبه بقوله : " لولا المحبة لما صحّ طلب شيء أبدا ولا وجود شيء ، وأن هذا هو سر " فأحببت أن أعرف " « 2 » وقد تؤدي المحبة بين الحق والخلق إلى توحيد الرؤية تجاه الحق بأنه مصدر الأديان والعبادات مهما تعددت مظاهرها وتنوعت توجهات العباد في التقرب منها . ولذلك مال إلى توحيد الأديان باعتبارها موجهة إلى معبود واحد وهو اللّه على اختلاف الصور والمظاهر في العبادة من الخلق . - وحدة المعبود وتعدد الأديان : لقد ترتب على نظرية وحدة الوجود لدى الجيلي - والقائمة على مفهومي الحب والفناء - نظرية أخرى هي وحدة الأديان رغم تعدد مظاهرها ، ذلك أن اللّه تعالى هو مصدر جميع العبادات " وأن اللّه تعالى إنما خلق جميع الموجودات لعبادته ، فهم مجبولون على ذلك ، مفطورون عليه من حيث الأصالة ، فما في الوجود شيء إلّا وهو يعبد اللّه تعالى بحاله ومقاله وفعاله ، بل بذاته وصفاته ، فكل شيء في الوجود مطيع للّه تعالى لقوله تعالى للسموات والأرض ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ، قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ « 3 » وليس المراد بالسموات إلّا أهلها ، ولا بالأرض إلّا سكانها ، وقال تعالى : وَما خَلَقْتُ

--> ( 1 ) الجيلي ، سبب الأسباب ، ( حقيقة الحقائق ) ، ورقة 2 ، ص . ص أ - ب . ( 2 ) حلمي ( محمد مصطفى ) ، مرجع سابق ، ص 173 . ( 3 ) سورة فصلت ، الآية : 11 ك .